الاقتصادات الناشئة تواجه صدمة كبيرة بسبب رسوم ترمب

تستعد الاقتصادات الناشئة في جميع أنحاء العالم لمواجهة تراجع عملاتها وتدهور محتمل في تصنيفاتها الائتمانية السيادية، بعد أن أدت رسوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية إلى رفع التعريفات على الواردات الأميركية إلى أعلى مستوياتها في 100 عام.
وأدى هذا التصعيد الجمركي، الذي جاء أسوأ من المتوقع، إلى ضربة قوية لاقتصادات آسيا، ولعدد من أفقر دول العالم، مما قد يشكّل نقطة تحول سلبية لأسواق ديون الاقتصادات الناشئة، في وقت كانت هذه الدول تأمل في جذب الاستثمارات بعد سنوات من العزوف عن المخاطر، وفق «رويترز».
وقال جون دنتون، الأمين العام لغرفة التجارة الدولية: «نشعر بقلق فوري بشأن التأثير المحتمل لهذه الرسوم الجمركية الشديدة المفروضة على مجموعة واسعة من الاقتصادات الناشئة، حيث إن هذا النهج قد يلحق المزيد من الضرر بآفاق التنمية للدول التي تعاني بالفعل من تدهور شروط التجارة». وأضاف أن هذه التغيرات قد تؤدي إلى سلسلة من تخفيضات التصنيف الائتماني السيادي.
وكشف ترمب عن مجموعة واسعة من العقوبات الجمركية تصل إلى 50 في المائة على كل من الحلفاء والخصوم، مما أثار اضطرابات في الأسواق المالية وزاد من المخاوف بشأن اندلاع حرب تجارية عالمية. وستؤثر هذه الرسوم على العديد من المنتجات، مثل الفانيليا من مدغشقر بنسبة 47 في المائة، والمنسوجات من سريلانكا بنسبة 44 في المائة.
وفي مذكرة بحثية، قالت «جي بي مورغان» إن هذه الصدمة في ثقة المستثمرين وتدفقات رأس المال من المرجح أن تستمر، مما يتطلب زيادة في علاوات المخاطر، وقامت بتخفيض تصنيفها لعملات الأسواق الناشئة إلى «أقل من الوزن الطبيعي»، معتبرة أن هذا التطور قد يكون نقطة تحول لأسواق الديون الناشئة.
وكانت الأسواق الناشئة قد بدأت العام الماضي فقط في عكس اتجاه تدهور تصنيفاتها الائتمانية الذي استمر لعقد من الزمن، بعد موجة من التخلف عن السداد التي تفاقمت بسبب تداعيات جائحة «كوفيد-19» وأدت إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض.
وأشارت «غولدمان ساكس» إلى أن الرسوم الجمركية ستؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي في الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بنسبة نقطة مئوية واحدة، مما قد ينعكس سلباً على الأسواق الناشئة الأخرى.
من جانبه، شبّه جون دنتون، من غرفة التجارة الدولية، التأثير الاقتصادي لهذه الرسوم الجمركية بالأزمة النفطية في السبعينات، التي هزت الاقتصاد العالمي وأثّرت على العديد من أصول الأسواق الناشئة.
تأثير كبير على «مصنع آسيا»
تحملت الاقتصادات الآسيوية النصيب الأكبر من هذه العقوبات الجمركية، حيث تعرضت 6 من أصل 9 دول في جنوب شرقي آسيا لرسوم تراوحت بين 32 في المائة و49 في المائة.
وقالت مجموعة «سيتي» المصرفية إن الرسوم الجمركية أصابت «مصنع آسيا» بشدة، حيث قُدّر متوسط الزيادة في التعريفات الأميركية بنسبة 21 في المائة، لكن دول جنوب شرقي آسيا والصين واجهت زيادات بلغت 34 في المائة، مقارنة بـ20 في المائة لأوروبا، وأقل من 10 في المائة بأميركا اللاتينية.
وانعكست هذه المخاوف على الأسواق المالية، حيث تراجعت الأسهم الفيتنامية بنسبة تقارب 7 في المائة، وهو أكبر انخفاض يومي في أربع سنوات على الأقل، كما انخفضت عملة «الدونغ» الفيتنامية إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، في حين تراجع «البات» التايلاندي إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
وفي سريلانكا، هبطت السندات الدولارية السيادية بأكثر من 3 سنتات، مسجلة أدنى مستوياتها منذ إعادة هيكلة الديون العام الماضي.
وقال فريد نيومان، كبير الاقتصاديين في بنك «إتش إس بي سي» لمنطقة آسيا، إنه يتوقع أن تتدخل البنوك المركزية في الصين وتايوان وماليزيا ودول أخرى في آسيا بخفض أسعار الفائدة. وأضاف: «من المرجح أن يكون هذا صدمة كبيرة للنمو في المنطقة، بما في ذلك جنوب شرقي آسيا، مما سيجعل البنوك المركزية تركز على دعم النمو أكثر من القلق بشأن التضخم».
وفي وقت سابق من الأسبوع، حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغيفا، من أن العديد من الدول قد استنفدت حيزها المالي والنقدي خلال جائحة «كوفيد-19»، مما جعلها مثقلة بالديون وبقدرة محدودة على امتصاص الصدمات المستقبلية.
وعلى الرغم من أن المستثمرين الدوليين لديهم انكشاف محدود على بعض أفقر البلدان، مثل كمبوديا وبنغلاديش، فإن الرسوم الجمركية التي فرضت عليهما بنسبة 49 في المائة و37 في المائة على التوالي ستؤثر بشدة على اقتصاداتهم. ووفقاً للبنك الدولي، صدّرت كمبوديا أكثر من 40 في المائة من صادراتها إلى الولايات المتحدة في عام 2022.
وفي المقابل، خرجت العديد من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا بتأثيرات أقل نسبياً؛ حيث قالت كينيا يوم الخميس إن فرض رسوم جمركية بنسبة 10 في المائة فقط سيمنحها «ميزة تنافسية» في صادرات المنسوجات مقارنة بمنافسيها المتضررين بشدة، مثل فيتنام وسريلانكا وباكستان.
ومع ذلك، حذر المستثمرون من أن مدى ديمومة هذه الإجراءات، والتأثيرات الثانوية لإعادة تشكيل التجارة العالمية، لا يزال غير واضح.
وقالت إيفيت باب، مديرة المحافظ الاستثمارية في «ويليام بلير»: «لم نشهد مثل هذه التحولات الكبيرة منذ 80 عاماً»، متسائلة: «إلى أي مدى ستكون هذه التحولات هيكلية؟ ما نشهده اليوم غير مسبوق تماماً، ولكن إلى أي مدى ستظل هذه السياسات قائمة؟».
aawsat.com