سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

إسقاط الأنظمة ثم الفوضى.. حرب إيران تعيد طرح أسئلة أمريكا القديمة

إسقاط الأنظمة ثم الفوضى.. حرب إيران تعيد طرح أسئلة أمريكا القديمة

يرى تقرير نشرته صحيفة الغارديان أن المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران قد تمثل أخطر اختبار للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة، في ظل سجل طويل من التدخلات العسكرية التي كثيرا ما بدأت بأهداف تبدو واضحة لكنها انتهت بنتائج أكثر تعقيدا مما خططت له واشنطن.

ويضع التقرير الحرب الحالية مع إيران في سياق تاريخي أوسع من التدخل الأمريكي في المنطقة، مشيرا إلى أن الشرق الأوسط ظل على مدى عقود مسرحا رئيسيا للسياسة العسكرية الأمريكية.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

والمفارقة، بحسب الصحيفة، أن الرؤساء الأمريكيين يكررون في كل مرحلة تعهداتهم بإنهاء انخراط بلادهم في صراعات المنطقة، لكن التطورات غالبا ما تدفعهم إلى العودة إليها مجددا.

ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة سعت منذ الحرب العالمية الثانية إلى إسقاط حكومات في الشرق الأوسط بوتيرة شبه منتظمة، بمعدل يقارب مرة كل عقد.

مقتل جنود أمريكيين في ضربة إيرانية يرفع منسوب التوتر ويزيد الضغوط على إدارة ترمب (الفرنسية)

نتائج عكسية

بيد أن كثيرا من تلك التدخلات أفضى إلى نتائج عكسية، إذ ظهرت لاحقا تداعيات غير متوقعة جعلت الأزمات أكثر تعقيدا، وأسهمت في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بطرق لم تكن محسوبة.

ويستعيد التقرير مثال حرب الخليج عام 1991، التي تُعد من وجهة نظر كثير من المراقبين التدخل الأمريكي الأكثر محدودية من حيث الأهداف والمدة.

فبعد غزو العراق للكويت، قاد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تحالفا دوليا نجح في إخراج القوات العراقية خلال فترة قصيرة، مع الحفاظ على دعم عربي واسع وتجنب توسيع نطاق الحرب. كما التزمت واشنطن بقرار مجلس الأمن الذي أجاز تحرير الكويت دون التقدم إلى داخل العراق.

لكن تلك الحرب تركت آثارا سياسية بعيدة المدى. فبحسب التقرير، تعلّم الأكراد والشيعة في العراق مخاطر الاعتماد على الوعود الأمريكية، بعدما شجعتهم واشنطن على الانتفاض ضد نظام صدام حسين ثم تخلت عنهم.

إعلان

كما أدت الحرب إلى نشر نحو نصف مليون جندي أمريكي في الشرق الأوسط.

ويقول الباحث مارك لينش، بحسب الغارديان، إن تلك القوات لم تغادر المنطقة فعليا، بل انتشرت عبر شبكة قواعد عسكرية في الخليج والمشرق وجنوب تركيا أصبحت لاحقا ركيزة الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة.

حرب العراق تبقى مثالا بارزا على تعقيدات التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط (غيتي-أرشيف)

حرب 2003

أما حرب العراق عام 2003، فيقدمها التقرير بوصفها المثال الأكثر وضوحا على إخفاق سياسة تغيير الأنظمة. فقد شنت إدارة جورج بوش الابن الحرب على أساس ادعاءات بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وهو ما تبين لاحقا أنه أمر غير صحيح.

ووصف جون ساورز، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطانية الخارجية، ما أعقب الغزو بأنه "فوضى كاملة"، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة لم تخطط بجدية لمرحلة ما بعد سقوط النظام.

ويشير التقرير إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين آنذاك توقعوا استقبال القوات الأمريكية كمحررين، غير أن ما حدث لاحقا كان مختلفا تماما.

فقد أدى الغزو إلى فوضى أمنية وسياسية عميقة، وأسهم في تعزيز نفوذ إيران في المنطقة، فضلا عن كلفته البشرية والاقتصادية الباهظة التي قدرت بنحو تريليوني دولار.

يرى التقرير أن الحرب الحالية مع إيران تثير مخاوف متزايدة بسبب غياب رؤية واضحة لما قد يحدث بعد أي تغيير محتمل في السلطة الإيرانية

بناء على ذلك، يشير التقرير إلى أن تجربة العقود الماضية كشفت خللا جوهريا في سياسة تغيير الأنظمة التي اتبعتها واشنطن.

فالتدخل العسكري قد ينجح في إسقاط الحكومات، لكنه لا يضمن بناء دول مستقرة أو أنظمة سياسية قابلة للحياة.

وفي ضوء هذا الإرث، يرى التقرير أن الحرب الحالية مع إيران تثير مخاوف متزايدة بسبب غياب رؤية واضحة لما قد يحدث بعد أي تغيير محتمل في السلطة الإيرانية.

ويشير إلى التباين الصارخ في التبريرات التي قدمها مسؤولو إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن أهداف الحرب، وهو ما يزيد الغموض حول طبيعة الإستراتيجية الأمريكية.

إدارة ترمب تبحث خياراتها في الشرق الأوسط وسط تحذيرات من تكرار أخطاء الحروب السابقة (الفرنسية)

النووي مرة أخرى

فوزير الدفاع بيت هيغسيث تحدث عن ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما قال المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إن طهران كانت على بعد أسبوع من امتلاك مواد كافية لصنع قنبلة.

أما جيه دي فانس -نائب الرئيس دونالد ترمب- فقال إن إيران تخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60% وتبني منشآت نووية عميقة تحت الأرض.

في المقابل، تحدث ترمب نفسه عن إمكانية تغيير النظام الإيراني.

بدوره، قدم وزير الخارجية ماركو روبيو تفسيرا مختلفا، إذ قال إن واشنطن كانت تعلم أن إسرائيل ستهاجم إيران، وأن ذلك سيؤدي إلى ردّ إيراني على القوات الأمريكية، ولذلك قررت الولايات المتحدة ضرب إيران مسبقا لتقليل الخسائر المحتملة.

ويحذر التقرير كذلك من أن انهيار النظام الإيراني -في حال حدوثه- قد يؤدي إلى تفكك الدولة، خاصة في ظل التنوع العرقي الكبير داخل إيران، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وظهور كيانات متنافسة.

إعلان

وفي ختام التقرير، يستعيد الكاتب سؤالا طرحه الجنرال الأمريكي ديفيد بتريوس خلال حرب غزو العراق عام 2003 عندما قال: "أخبروني كيف ستنتهي هذه الحرب؟".

وهو سؤال يرى التقرير أنه لا يزال حاضرا بقوة اليوم، في ظل غموض المسار الذي قد يتخذه الصراع الحالي وتداعياته المحتملة على المنطقة بأسرها.

aljazeera.net