سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

بين التصنيف الأمريكي وأولوية المعركة السودانية

بين التصنيف الأمريكي وأولوية المعركة السودانية

عمر سيد أحمد

أثار القرار الأمريكي الأخير بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية تنظيماً إرهابياً خاضعاً للعقوبات نقاشاً واسعاً في الأوساط السودانية. فبينما رحّب كثير من السودانيين بالقرار بوصفه خطوةً قد تُضعف نفوذ الحركة الإسلامية التي حكمت البلاد ثلاثين عاماً، برزت في المقابل أصوات تحذّر من الإفراط في الاحتفاء به، وتدعو إلى قراءة القرار في سياقه الدولي الأوسع.

هذا الجدل يعكس سؤالاً مشروعاً: ما دلالة هذا القرار بالنسبة للسودانيين؟ وهل ينبغي النظر إليه بوصفه تحولاً حقيقياً في السياسة الدولية، أم مجرد أداةٍ في لعبة التوازنات الإقليمية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟

لا شك أن السياسات الدولية تحكمها المصالح، وأن القوى الكبرى تتعامل مع الدول والأزمات وفق حساباتها الاستراتيجية. والولايات المتحدة ذاتها لم تكن بمنأى عن هذا النهج البراغماتي في تعاملها مع نظام الحركة الإسلامية على مدار العقود الماضية؛ إذ تعاقبت بين العقوبات والتفاهمات الأمنية غير المعلنة، وظلّ النظام طرفاً في معادلة إقليمية بالغة التعقيد.

بيد أن الإقرار بهذه الحقيقة لا يفضي بالضرورة إلى ما تذهب إليه بعض التحليلات من التهوين من شأن القرار، أو اختزاله في مجرد إعادة توزيع أوراق النفوذ الدولي.

فالمسألة بالنسبة للسودانيين ليست رهينةً بالثقة في نوايا واشنطن، بل هي مسألة واقع سياسي داخلي بامتياز. فالحركة الإسلامية التي انقلبت على الشرعية عام 1989 لم تكن طرفاً سياسياً عادياً بين أطراف أخرى، بل كانت نظاماً قام على العنف المنظم، وتسييس الدين، وبناء دولة بوليسية حكمت البلاد بالقهر والإقصاء.

خلال ثلاثة عقود عاش السودان تجربةً مضنية من القمع السياسي الممنهج، والحروب الأهلية المتتالية، والانهيار الاقتصادي، وتفكيك مؤسسات الدولة وإعادة بنائها لخدمة مشروع أيديولوجي مغلق. وليست هذه مجرد قراءةٍ نظرية في التاريخ، بل هي تجربة عاشها ملايين السودانيين في حياتهم اليومية وعلى أجسادهم.

لذا فإن الترحيب الشعبي بأي خطوةٍ تُضعف هذا التنظيم لا يمكن اختزاله في السذاجة السياسية أو في الارتهان للخارج. بالنسبة لكثيرين، يمثّل القرار اعترافاً متأخراً بحقيقةٍ دفع السودانيون ثمنها دماً وعرقاً على مدى عقود.

صحيح أن التساؤل عن توقيت القرار مشروع؛ فمن الطبيعي أن يتساءل المرء: لماذا يأتي هذا التصنيف الآن، بعد كل ما شهده السودان من انتهاكات وحروب منذ تسعينيات القرن الماضي؟ كما أن قراءة القرار في سياق الصراع الدولي على البحر الأحمر والممرات المائية ليست قراءةً عبثية.

غير أن هذا البُعد الجيوسياسي، مهما بلغت أهميته، لا يُلغي حقيقةً راسخة: أن جوهر الأزمة السودانية ظلّ دائماً أزمةً داخلية، مرتبطةً ارتباطاً عضوياً بالبنية السياسية والأمنية التي أرستها الحركة الإسلامية في الدولة والمجتمع.

فحتى المليشيات التي تُمثّل اليوم جزءاً من المشهد الدموي المتواصل في السودان لم تنبثق من فراغ. لقد كانت سياسات النظام ذاته هي التي أسّست لاقتصاد الحرب، وأفرزت تضخّم الأجهزة الأمنية، وأشاعت السلاح خارج مؤسسات الدولة الرسمية.

بيد أن مواجهة هذه الحقيقة لا تعني الوقوع في فخ المساواة بين الفاعلين المسلحين، أو التعامل مع الصراع بوصفه نزاعاً بين أطراف متكافئة في المسؤولية. فالمشروع السياسي الذي أنتج هذه البيئة كان بامتياز مشروع الحركة الإسلامية التي حكمت السودان ثلاثة عقود.

من جهة أخرى، يُشير بعض المراقبين إلى سابقة تاريخية لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان؛ ففي مطلع الألفية الثالثة، وإثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، نجح النظام في استدراج تخفيف الضغوط الدولية عبر تقديم معلومات استخباراتية دقيقة لواشنطن حول تنظيم القاعدة وشبكاته، في صفقةٍ غير معلنة كانت في جوهرها رشوةً سياسية لشراء البقاء. وقد أفلح هذا التكتيك فعلاً؛ إذ منح النظامَ متنفساً أطال من عمره في السلطة أحد عشر عاماً إضافية. هذه السابقة تُذكّر بأن الأنظمة الاستبدادية تُتقن دوماً فن المقايضة بين بقائها والأوراق الأمنية التي تمتلكها، وأنها قادرة على تحويل الضغط الدولي إلى فرصة للتجديد في السلطة متى أحكمت اللعبة.​​​​​​​​​​​​​​​​

وثمة ما هو أعمق من مجرد السابقة التاريخية؛ فخطاب “مناهضة الإمبريالية” الذي يرفعه المدافعون عن هذا التنظيم اليوم هو الخطاب ذاته الذي رفعه النظام طويلاً للاستهلاك الداخلي، بينما كان في الوقت نفسه يتفاوض ويقايض خلف الأبواب المغلقة. رفعوا شعار “أمريكا قد دنا عذابها”، ثم اعترفوا بالتعاون الأمني مع واشنطن. تحدثوا عن الجهاد ومواجهة الاستكبار، ثم سلّموا من كانوا يسمونهم رفاق الجهاد للأجهزة الاستخباراتية الدولية حين اقتضت مصالحهم ذلك. هذا التناقض لا يكشف ضعفاً عارضاً، بل يكشف طبيعة تنظيمٍ جعل من البقاء في السلطة قيمته العليا، وما عداها مجرد أدوات.​​​​​​​​​​​​​​​​

لكن هذا الدرس لا يعني إغلاق الباب أمام أي فرصةٍ قد تُسهم في إضعاف هذا التنظيم. فالقرار الأمريكي، مهما كانت دوافعه البعيدة، يمكن أن يُفضي إلى قيودٍ مالية وقانونية حقيقية على شبكات الحركة الإسلامية، ويحدّ من قدرتها على المناورة في الساحة الدولية.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في القرار ذاته، بل في طريقة إدارة النقاش حوله. فثمة من يقفز مباشرةً إلى خطاب “مناهضة الإمبريالية”، وكأن السودان ليس بلداً يعيش حرباً شعواء وانهياراً مؤسسياً، بل مجرد ساحةٍ رمزية لصراعٍ أيديولوجي عالمي.

هذه المقاربة تكشف عن خللٍ قديم يعتري التفكير السياسي السوداني: الميل إلى تفسير كل ما يجري في الداخل عبر مرايا الصراعات الكبرى في العالم، عوضاً عن جعل المصلحة السودانية ذاتها في مركز التحليل ومحور الاهتمام.

فالموقف المسؤول لا يقتضي ثقةً عمياء في القوى الدولية، لكنه أيضاً لا يقتضي رفض كل خطوةٍ قد تُضعف القوى التي أنهكت الدولة السودانية وأدمتها. السياسة في نهاية المطاف فنّ إدارة المصالح، لا فنّ إطلاق الشعارات.

لذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الولايات المتحدة قوةٌ إمبريالية أم لا؟ السؤال الأجدر بالاهتمام هو: هل يُسهم هذا القرار في إضعاف التنظيم الذي حكم السودان ثلاثين عاماً ودمّر مؤسساته؟

إذا كان الجواب بالإيجاب، فإن الترحيب به يغدو موقفاً مفهوماً من منظور المصلحة الوطنية، دون أن يعني ذلك الرهان المطلق على الخارج أو التنصّل من المسؤولية الداخلية.

فالقرارات الدولية قد تُؤثّر في موازين القوى وتُعيد رسم خارطة النفوذ، لكنها لن تصنع التغيير وحدها. التغيير الحقيقي سيصنعه السودانيون أنفسهم حين يتمكنون من تفكيك البنية التي أنتجت هذه الكارثة، ومحاسبة المسؤولين عنها، وبناء دولةٍ جديدة لا تقوم على الأيديولوجيا المغلقة ولا على سطوة المليشيات المسلحة.

بكلماتٍ أبسط: معركة السودانيين الأولى ليست في مواجهة الإمبريالية في العالم، بل في استعادة دولتهم من الداخل.

altaghyeer.info