
تلقيت دعوة كريمة من “الآلية الخماسية” —التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية، ومنظمة “الإيقاد”— لحضور جلسة استماع حول العملية السياسية السودانية. استضافت اللقاء جامعة الدول العربية في مقرها بالقاهرة صباح أمس الثلاثاء 10 مارس 2026.
تعد هذه الخطوة حكيمة من الآلية الخماسية؛ إذ تهدف إلى تلمّس مختلف وجهات النظر السودانية بدلاً من الاقتصار على القطاع السياسي، أو الاكتفاء بدائرة ضيقة قد لا تساهم في توسيع نطاق المشاركة الشعبية.
قدّمتُ رؤيتي بتركيز على معالجة أوجه القصور في المساعي المستمرة التي بذلها الوسطاء الدوليون والإقليميون على مدى سنوات، في محاولة لفك طلاسم الأزمة السودانية.
تنطلق فكرتي الأساسية للحوار السوداني من ضرورة ربطه بـ نتائج محددة مسبقاً. لقد سبق أن أوضحت أن فتح أبواب التداول والمشاورات في الأفق السياسي بلا سقف سينتج عنه حلقات “مسلسل لا ينتهي” من المؤتمرات وورش العمل، دون تأثير ملموس أو تقدم حقيقي على أرض الواقع.
من الحكمة بمكان تحديد الأهداف النهائية للحوار السياسي السوداني، وتحديداً: تشكيل برلمان تأسيسي ليكون “رأس الخيط” في إنتاج مؤسسات وهياكل حكم قادرة على استيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.
إن مهمة هذا البرلمان هي مناقشة كافة القضايا التي يُفترض أن الحوار السوداني سيتداول حولها؛ فهناك فرق جوهري بين “جلسات حوار” بين مجموعات سياسية، و”جلسات برلمان” تعتمد منهجاً لائحياً للوصول إلى قرارات وتشريعات ملزمة، لا مجرد توصيات.
كما أن إجماع الفاعلين على تشكيل هذا البرلمان يمثل اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية لهذه المكونات في الوصول إلى آليات حقيقية لبناء الدولة. ففي تجاربنا السابقة، رأينا كيف تتحول المؤتمرات والورش إلى “حلبات ملاكمة” للشعارات والمزايدات، في محاولات حزبية لا تنتهي لكسب النقاط وتعظيم الأرصدة الجماهيرية، بل ويصل الأمر أحياناً إلى اختلاق معارك بلا معترك.
ولنكن صرحاء؛ فالقطاع السياسي السوداني بمختلف مكوناته يعاني علة مزمنة في “القدرات”، مما يعطل فرص إنتاج الحلول. وهذا يتطلب دعماً فنياً من هذه الآليات الدولية الرفيعة التي تمتلك خبرة أوسع وتنوعاً في المناهج والأساليب.
إن الخلافات بين المكونات السودانية في غالبها مبنية على “توهم”؛ إذ إن القواسم المشتركة بينها تفوق الـ 90%. لكن العلة تكمن في أسلوب استخلاص هذه القواسم، وصناعة حوار يفضي لتحديدها والاتفاق عليها، مع إبقاء مساحة الاختلاف “منطقة منزوعة الألغام”.
سأنشر كامل الرؤية بعد إعادة صياغتها وتسليمها اليوم لسكرتارية الآلية.
Bajnews.net