سنن النهوض «4»
المؤسسات قبل الأشخاص: حين تصبح القواعد أقوى من الإرادات
ميرغني الحبر/ المحامي
بعد الوعي بالخلل، وإحياء الضمير العام، وإصلاح موقع النخبة، تبرز سنة رابعة من سنن النهوض في غاية الأهمية: بناء المؤسسات.
فالمجتمعات قد تنجح أحياناً في إنتاج قادة مصلحين، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن الإصلاح الذي يعتمد على الأشخاص وحدهم يظل هشّاً، لأنه يرتبط بوجود الفرد لا بصلابة النظام. فإذا غاب الشخص عاد الاضطراب، وكأن البناء كله كان قائماً على إرادة فردية لا على قواعد مستقرة.
لهذا فإن الأمم التي نجحت في تثبيت مسار تقدمها هي تلك التي نقلت مركز الثقل من الأشخاص إلى المؤسسات.
فالمؤسسة لا تقوم على مزاج فرد، بل على قواعد معلومة، واختصاصات محددة، وآليات واضحة للمساءلة والتصحيح.
حين تصبح المؤسسات قوية، يتحول الحكم من ممارسة شخصية إلى عملية منظمة، ويصبح القانون مرجعاً أعلى لا يتغير بتغير الأفراد.
وهنا يظهر الفارق بين مجتمع تحكمه الإرادات، ومجتمع تحكمه القواعد.
ففي الأول قد يتغير المسار بتغير الأشخاص، وقد تتعطل العدالة بسبب النفوذ، وقد تُفسَّر القوانين بحسب القرب أو البعد من دوائر السلطة.
أما في الثاني فإن النظام يستمر حتى مع تغير القيادات، لأن القواعد التي تنظمه ثابتة ومعروفة.
ولا يعني هذا أن الأشخاص غير مهمين؛ فالقادة المصلحون كثيراً ما يكونون شرارة التحول الأولى. لكن نجاحهم الحقيقي لا يقاس بمدة بقائهم في مواقعهم، بل بقدرتهم على بناء نظام مؤسسي يستمر بعدهم.
وفي قلب هذا البناء تقف مؤسسات أساسية لا يستقيم العمران بدونها:
وعندما تعمل هذه المؤسسات بتوازن، تتولد حالة من الاستقرار القانوني والإداري تجعل المجتمع أكثر قدرة على التخطيط للمستقبل بثقة.
إن بناء المؤسسات ليس عملية فنية فقط، بل هو أيضاً قرار أخلاقي وسياسي؛ لأنه يعني أن تقبل النخب أن تخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها بقية المجتمع، وأن تتحول السلطة من مساحة نفوذ إلى وظيفة عامة محكومة بالقانون.
وقد أدرك المفكرون عبر العصور هذه الحقيقة؛ فقد قال ابن تيمية إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت غير مسلمة، في إشارة إلى أن قوة الدول تكمن في نظام العدل الذي تقوم عليه مؤسساتها. وفي الفكر السياسي الحديث يؤكد ماكس فيبر أن الدولة المستقرة هي التي تُدار عبر مؤسسات وقواعد عقلانية لا عبر إرادة الأفراد، بينما رأى مونتسكيو أن الحرية لا تُصان إلا حين تتوزع السلطة بين مؤسسات مستقلة تراقب بعضها بعضاً.
وهكذا يلتقي التراث الإسلامي والفكر السياسي الحديث عند حقيقة واحدة: أن دوام العمران لا يقوم على رشد الحاكم فقط، بل على صلابة المؤسسات التي تحكم الجميع.
وفي المقال القادم من سلسلة «سنن النهوض» ننتقل إلى ركيزة أخرى من ركائز البناء الحضاري:
كيف يصبح العلم والعمل المنتج رأس المال الحقيقي للأمم؟
altaghyeer.info