إبراهيم غندور يواصل كذبه المقزز.. مغالطة التاريخ القريب بلا خجل
خالد أبو أحمد
من حظي العاثر في صباح يوم العيد، وقع في ناظري مقطع مصور للبروفسور إبراهيم غندور، يتحدث فيه لجماعته بنبرة ”القائد الملهم” و”المفكر الاستراتيجي” الذي أنقذ الأمة من الهاوية! وما هي إلا دقائق معدودة حتى شعرت بالألم والحزن معاً، من كثرة ما تفوّه به من أكاذيب، والتفاف واضح على حقائق في واقعنا السوداني لم يمضِ عليها حتى عقد كامل من الزمان. بالكاد أكملت مشاهدة المقطع دون أن يصدق فيه كلام واحد.
وقد سبق لذات الغندور أن كذب كذباً مخجلاً شاهده الملايين من السودانيين، حين كان في جلسة حوارية تلفزيونية كان طرفها الدكتور عمر الدقير، الذي أوضح لمقدم البرنامج أن البروفسور إبراهيم غندور سبق وأن هدّد في لقاء حاشد من قواعده باستخدام الحزب الحاكم “البندقية” في مواجهة من يخالفه الرأي. فنفى غندور ذلك نفياً قاطعاً وبأسلوب لا يشعر المشاهد معه بأنه يكذب، لكننا وبحسب تجربتنا معهم ندرك جيداً هذا الأسلوب في توظيف الكذب، الذي ينمّ عن جهل فاضح يجعل المشاهد يتساءل: كيف بلغ هذا الرجل درجة الأستاذية؟ وبما أن حبل الكذب قصير، نشر الدكتور الدقير المقطع المصور الذي يُظهر غندور وهو يهدد باستخدام البندقية وسط جموع من أنصار الحزب، فبُهت الذي كذب واستمرأ الكذب.
نعود إلى المقطع الذي شاهدته اليوم، والذي كشف لي أن غندور قد بلغ المرحلة التي يتلذذ فيها بالكذب، بل ربما بات يصدّقه. يقول غندور شارحاً الظروف التي أودت بهم، لا فضّ فوه:
”دعونا نبدأ من حيث جاء التغيير في أبريل 2019م، ولعل الناس في ذلك الوقت تساءلوا: أين الحزب؟ وأين الحركة؟ وخرجنا في سبتمبر لنقول: نحن المعارضة المساندة. هي كانت قراراً حزبياً خالصاً، ولكنها جاءت بعد حسابات دقيقة، وبعد أن تبيّن لنا أن هناك مؤامرة كبيرة قد نُفِّذت، وأننا الآن في مواجهة عاصفة، فكان القرار أننا يجب أن نحافظ على البلاد، وأن الوطن فوق الوطنية”.
يا له من قرار بطولي! فبعد ثلاثين عاماً من الحُكم المنفرد، وبعد أن أفقروا البلاد ونهبوا خزينتها، وبعد أن طردهم الشعب من السلطة بثورة شعبية عارمة، يخرج علينا البروفسور ليقول بكل ثقة: “نحن من قرّرنا المحافظة على الوطن!” هذا بالضبط كالذي أحرق بيته ثم ادّعى أنه أطفأ الحريق لأنه لم يُشعل الطابق الثاني!
ما لم يقله غندور، ولا يستطيع قوله، هو أن نظام الحركة الإسلامية منذ عام 2008 فقد البوصلة تماماً؛ فضاقت الأوضاع المعيشية، وأصبحت خزينة الدولة خاوية على عروشها بسبب النهب الممنهج للمال العام، وتعطيل كل المشاريع الزراعية التي كانت توفر الأمن الغذائي، وبيع شركات القطاع العام في مزادات علنية وسرية لم يعرف أحد كيف تمت ولا لمن آلت عائداتها. وبلغ الأمر أن سفارات النظام في دول عديدة لم تتلقَّ مرتباتها لأشهر متواصلة، فبدأ النظام في التدحرج الفعلي، ولم يبقَ أمامه إلا رحلات التسول في دول الخليج.
وقد عبّرت عن انهيار دولة الحركة الإسلاموية الزيارات المتكررة التي كان يقوم بها الرئيس المخلوع عمر البشير لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي بلغت خمس عشرة زيارة! نعم، خمس عشرة زيارة لرئيس “دولة عظمى” كانوا يزعمون أنها تقود المشروع الحضاري الإسلامي وتتحدى الاستكبار العالمي، خرج كثير منها عن البروتوكولات الرسمية المعتادة، بل وتجاوزت حدود الذوق العام؛ ففي إحدى المناسبات الكبرى أُجلس البشير في صفوف بعيدة عن مصافّ الرؤساء والقادة، وبجانبه طفل صغير، وكأنه جاء زائراً عادياً لا رئيساً لدولة!
ولعل أفضح هذه الزيارات وأكثرها إحراجاً تلك التي جرت في السادس من ديسمبر 2015م، والتي امتدت لأكثر من أسبوعين كاملين! حتى أشار إليها الكاتب بكري الصائغ بأنها ربما دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية في باب “أطول إقامة لرئيس دولة في بلاد غيره”، فأي هيبة تلك التي كانوا يتشدقون بها، وزعيمهم يجوب مجالس الخليج متسولاً من مكان لآخر؟
وفيما يلي نماذج من تلك الزيارات المُذلّة:
في مرات كثيرة كان عمر البشير يوفد بعض مستشاريه لذلك الغرض، التسول بين بلدان معينة في دول الخليج..!!
والبروفسور إبراهيم لم يقل لجماعته في ذلك الحشد أنهم أفقروا البلاد حتى باتوا يتحركون وفوداً وجماعات للاستجداء في الخارج، ولم يُفصح لهم أن رجالات الحركة والحزب دمّروا كل إمكانيات البلاد الاقتصادية بالاختلاسات وبيع الشركات الوطنية الكبرى، ومنها: الخطوط الجوية السودانية، والخطوط البحرية السودانية، وشركة النقل الميكانيكي، والنقل النهري، وشركة الخرطوم للتجارة والملاحة، وشركة البحر الأحمر للتجارة والملاحة، فضلاً عن بيوت السودان في المملكة المتحدة وأملاكه في فرنسا، بيعوا كل شيء، ثم جاؤوا يتحدثون عن حماية الوطن!
وفي هذا الشأن نشرنا مقالاً بتاريخ 23 أبريل 2011 بعنوان (قائد الدبابين.. إمبراطور الأسمنت والحديد والأخشاب: علي كرتي ماذا فعلت بشركة البحر الأحمر للتجارة والملاحة؟!)، — يُوضح المقال كيف استولى القيادي علي كرتي حين كان في الدفاع الشعبي على هذه الشركة الضخمة، فتحوّلت في أشهر قليلة إلى هشيم تذروه الرياح. وبهذه الطريقة ذاتها تهاوت كل الشركات الإنتاجية، وهذا هو السر الحقيقي وراء الانهيار الذي أصاب النظام منذ عام 2008 وحتى نهايته في ديسمبر 2019.
رابط المقال- https://2u.pw/Wl8ybR
البروفسور إبراهيم لا تتوفر لديه الشجاعة ليقول لقواعده صراحةً: “لقد فشلنا في الحفاظ على الدولة وإمكانياتها الاقتصادية، وهذا الفشل هو ما عجّل بنهايتنا.” مثل هذه الحقائق لا تُقال إلا في الاجتماعات السرية، كما حدث في تلك الاجتماعات التي بثّتها قناة العربية، واعترف فيها قادة الحركة أنفسهم، ومنهم حسبو محمد عبدالله، بأن قادتهم هم من دمّروا الاقتصاد السوداني. يقولونها في السر ويُنكرونها في العلن، وهذا بالضبط هو تعريف النفاق السياسي في أبهى صوره.
وأخلص في هذه النقطة إلى أن الفشل الذريع في إدارة البلاد اقتصادياً، علاوة على الفشل السياسي والأمني، هو ما هيّأ كل الأسباب لسقوط النظام. ومع ذلك لا يستحيي الغندور وهو يتحدث عن “مؤامرة”، كأن الشعب السوداني حين ثار كان يؤدي مهمة لصالح جهات خارجية، لا كأنه شعب جائع سئم الظلم وضاق ذرعاً بالفساد!
هذا كذب فاضح لأن النظام سقط سقوطاً حقيقياً، وهو ما اضطر كبار قادة اللجنة الأمنية إلى اتخاذ القرار الذي اتخذوه، والذي يُصنّفه غندور “مؤامرة.” والأهم أن الفعل الثوري على الأرض كان قوياً وحقيقياً، إذ عمّت التظاهرات كل المدن الكبرى في السودان، وأصبحت الكلمة للشارع الثائر وحده.
يقول إبراهيم غندور في المقطع ذاته:
”حينها خرج الزحف الأخضر، وفي الزحف الأخضر تأكد للجميع أن الحزب موجود بكامل قياداته وعضويته، وتلته بعد ذلك زيارات إلى كل الولايات، حيث تأكدنا بأن حزبنا لم ينقص رجلاً ولا امرأةً واحدة، كانوا فقط ينتظرون الإشارة ليتحركوا.”
”الزحف الأخضر!” يا لها من تسمية رنّانة! لكن دعنا نتأمل قليلاً: الحزب الذي حكم أربعين مليون سوداني بقوة السلاح والمال والأجهزة الأمنية لثلاثين عاماً كاملة، حين جاء يوم الإثبات تبيّن أن عضويته المؤمنة لا تملأ ربع مساحة الساحة الخضراء في الخرطوم! فعن أي “زحف” يتحدث البروفسور؟ الزحف الحقيقي كان في شوارع الخرطوم وعطبرة والأبيض والقضارف، لكنه كان زحف الثوار لا زحف أنصار الحركة!
أما قوله إن “الجميع كانوا ينتظرون الإشارة”، فهذه حجة طريفة حقاً! كل الأحزاب المهزومة تقول هذا بعد الهزيمة، فالخاسر دائماً “كان ينتظر اللحظة المناسبة”، وقد أخرست ثورة ديسمبر 2019 هذا الزيف أمام العالم أجمع، تماماً كما أخرست من كان يصرخ قبلها “نحن 98% يا عمر الدقير!”
وفي ذات المناسبة يقول البروفسور إبراهيم غندور، وهذه الفقرة من حديثه كانت الأشد إثارةً للغثيان:
”لكن ما يقلقنا الآن هو التدخلات الخارجية.. أن التدخلات الخارجية في شأن السودان الآن غير مسبوقة في تاريخنا، لم نعشها في بلادنا حتى في أيام الاستعمار الحقيقي، حتى عندما كان الحاكم العام يقيم في القصر الجمهوري لم نعِش مثل هذه التدخلات.”
يا للمفارقة العجيبة! الرجل الذي ينتمي إلى النظام الذي فتح أبواب السودان على مصاريعها لكل تدخل أجنبي، يقف اليوم على المنابر متباكياً على السيادة الوطنية! هذا بالضبط كمن باع بيته، ثم وقف أمام بوابته يبكي على الغرباء الذين يسكنونه!
والتاريخ القريب جداً يذكّرنا بما يريد غندور أن يُنسيه:
الرئيس عمر البشير ذهب إلى موسكو مستنجداً بالرئيس بوتين طالباً منه الحماية من الولايات المتحدة الأمريكية، هل كان ذلك في عهد حمدوك يا بروفسور؟ والبشير نفسه هو من أدخل دولة الإمارات في أخمص الشؤون السودانية، في مرحلة الزواج الكاثوليكي مع محمد حمدان دقلو “حميدتي” زعيم مليشيات الدعم السريع، وهو من أدخل الجارة مصر في أدق تفاصيل ما يجري في بلادنا.
أما الزيارة التاريخية التي قام بها وزير الأمن الفريق صلاح قوش عام 2005م لمقر وكالات المخابرات الأمريكية في واشنطن، وتسليمه أهم الملفات الأمنية السودانية لأجهزة الاستخبارات الأجنبية، فهل كانت في عهد حمدوك يا بروفسور؟
والفريق عبد الفتاح البرهان الذي يحكُم بأوامر الحركة، حين سافر إلى دولة الكيان الصهيوني في زيارة تاريخية لفتح العلاقات مع هذا الكيان، هل كان ذلك في عهد الدكتور عبد الله حمدوك؟
إن كنت تريد أن تتحدث عن التدخلات الخارجية يا بروفسور، فابدأ بمن فتح الباب، لا بمن يحاول إغلاقه!
تلكم هي حقيقة إبراهيم غندور؛ رجل آثر الكذب على الاعتراف، وأبى أن يقول لجماعته: “أخطأنا وأفسدنا وأفقرنا الوطن.” يتحدث عن القيادة والحكمة وهو يقود حزباً لا يملأ ساحة عامة، ويتحدث عن السيادة الوطنية وهو ينتمي إلى نظام باع البلاد بالجملة والمفرّق، ويتحدث عن المؤامرات الخارجية وهو الذي مهّد لها بيده. لعل في صمته عن هذه الحقائق خير شاهد على أن ضميره لم يعد يؤلمه حين يكذب، بل صار يتلذذ بذلك ويتفنّن فيه.
والتاريخ، يا بروفسور، لا يرحم الكاذبين، وحبله وإن طال فهو قصير.
أول ايام عيد الفطر المبارك..الجمعة 20 مارس 2026م
-
رابط مقطع حديث البروفسيور ابراهيم غندور المعني بالمقال
https://vt.tiktok.com/ZSubcLUK9/
-
رابط كذبة البروفسيور ابراهيم غندور في حواره مع د. عمر الدقير
https://www.youtube.com/watch?v=Ds6ZRPruRgE
altaghyeer.info