
كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس تبنّي استراتيجية جديدة للحد من توسع قطاع طاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة، وذلك بعد أن أوقفت محاكم فيدرالية خمس محاولات سابقة لوقف مزارع رياح قيد الإنشاء قبالة الساحل الشرقي.
وبحسب وثائق اطّلعت عليها الصحيفة، يعمل مسؤولون بارزون في الإدارة على إعداد اتفاقات تسوية قد تُفضي إلى دفع أكثر من 928 مليون دولار لشركة "توتال إنرجيز" الفرنسية، المطوّر الرئيسي لمشروعين لطاقة الرياح البحرية قبالة ولايتي نيويورك وكارولاينا الشمالية.
وتُظهر الوثائق أن وزارة الداخلية الأمريكية ستقوم، بموجب شروط التسويات المقترحة، بإلغاء عقود الإيجار في المياه الفيدرالية للمشروعين المعروفين باسم "أتنتيف إنرجي"، و"كارولاينا لونج باي"، بينما تتولى وزارة العدل سداد التعويضات للشركة مقابل عروضها الفائزة في مزادات تأجير المواقع خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
في المقابل، ستتخلى "توتال إنرجيز" عن خططها لبدء إنشاء مزارع الرياح، كما ستلتزم بضخ استثمارات في البنية التحتية للغاز الطبيعي في ولاية تكساس، في ظل توجه إدارة ترامب لإعطاء أولوية لإنتاج الوقود الأحفوري مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية.
وتمثل هذه التسويات المحتملة تحولًا مهمًا في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع قطاع طاقة الرياح البحرية الناشئ، بعد سلسلة من الانتكاسات القانونية، حيث أبدى ترامب سابقًا معارضة لمشروعات الرياح البحرية منذ 2012، عندما حاول دون جدوى وقف إنشاء مزرعة رياح يمكن رؤيتها من أحد ملاعب الجولف التابعة له في اسكتلندا، وكرر في مناسبات عدة وصف هذه المشروعات بأنها غير فعّالة وتشوه المنظر العام.
وقال جون ليشي، المستشار القانوني السابق لوزارة الداخلية خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، إن تخصيص مبالغ مالية بهذا الحجم لإلغاء مشروعات طاقة يبدو أمرًا غير معتاد.
ولم تعلّق شركة "توتال إنرجيز" على المقترحات، كما لم ترد وزارتا الداخلية والعدل الأمريكيتين على طلبات التعليق من "نيويورك تايمز".
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت "توتال إنرجيز" ستوافق على التسويات المقترحة، وتشير الوثائق إلى أنه في حال رفض الشركة العرض، ستقوم الإدارة بإلغاء عقود الإيجار على أي حال، ما قد يفتح الباب أمام نزاعات قضائية مكلفة يسعى الطرفان إلى تجنبها.
ويقع مشروع "أتنتيف إنرجي" على بعد نحو 54 ميلًا جنوب شاطئ جونز في ولاية نيويورك، ومن المتوقع أن ينتج عند اكتماله كهرباء تكفي لتغذية أكثر من 1 مليون منزل ومنشأة تجارية، وكان من المخطط أن يبدأ تشغيل المشروع في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، غير أن باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز"، أعلن في نوفمبر 2024 تعليق العمل فيه عقب فوز ترامب بالانتخابات.
أما مشروع "كارولاينا لونج باي"، يقع على بعد 22 ميلًا جنوب جزيرة بالد هيد في ولاية كارولاينا الشمالية، ومن المتوقع أن يوفر طاقة كهربائية تكفي لنحو 300 ألف منزل ومنشأة تجارية عند بدء تشغيله في أوائل الثلاثينيات.
وبحسب الوثائق، ستحصل الشركة على نحو 795 مليون دولار مقابل التخلي عن مشروع "أتنتيف إنرجي"، وأكثر من 133 مليون دولار مقابل الانسحاب من مشروع "كارولاينا لونج باي"، كما ستلتزم الشركة بضخ "استثمارات معجّلة" في محطات توليد الغاز ومواقع الإنتاج في ولاية تكساس، دون الكشف عن حجم هذه الاستثمارات أو مواقعها.
وأشار ويليام دوفرماير، كبير المستشارين القانونيين في وزارة الداخلية، في مذكرة مؤرخة 23 فبراير إلى أن هذه الاستثمارات قد تسهم في التعامل مع ما وصفه ترامب بحالة "طوارئ طاقة وطنية"، التي أعلنها في أول يوم له بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025.
ورغم أن خبراء أكدوا آنذاك أن الولايات المتحدة تمتلك احتياطيات وفيرة من الطاقة، فإن الحرب في الشرق الأوسط أدت مؤخرًا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما عزز المخاوف بشأن استقرار الإمدادات.
في سياق مواز، اتخذت الإدارة الأمريكية عدة خطوات لتعطيل مشروعات الرياح والطاقة الشمسية في الأراضي والمياه الفيدرالية، إذ أمرت وزارة الداخلية في ديسمبر بوقف العمل في 5 مشروعات رياح بحرية أخرى، استنادًا إلى تقرير سري لوزارة الدفاع اعتبر هذه المشروعات تهديدًا للأمن القومي، إلا أن مطوري المشروعات وعددًا من الولايات طعنوا في القرار أمام القضاء، وقضت المحاكم الفيدرالية مرارًا ضد الإدارة، معتبرة أن مبررات الأمن القومي غير مقنعة بعد مراجعة التقرير.
في المقابل، حققت مشروعات رياح بحرية أخرى تقدمًا ملحوظًا، إذ أعلن مشروع ريفوليوشن ويند قبالة ساحل ولاية رود آيلاند بدء ضخ الكهرباء إلى الشبكة الإقليمية، بينما أعلنت شركة فينيار ويند قبالة ساحل ولاية ماساتشوستس استكمال أعمال البناء وتركيب آخر 62 توربينًا.