خبر ⁄سياسي

قتل ثأري... ما ملابسات التصفية العلنية لشرطي تابع لـحماس

قتل ثأري... ما ملابسات التصفية العلنية لشرطي تابع لـحماس

لم يكن مشهد القتل «الثأري» الذي نفذه أفراد من عشيرة أبو سمرة البدوية المعروفة في قطاع غزة، يوم الثلاثاء، لأحد عناصر شرطة «حماس» في دير البلح وسط القطاع حدثاً عابراً، بل جاء دليلاً على فوضى أكبر وأخطر تتسلل إلى حياة الغزيين المنكوبين بالحرب الإسرائيلية المستمرة منذ عام ونص العام تقريباً.

وجاءت تداعيات الحادث سريعة صباح الأربعاء؛ إذ انتشرت مجموعة لصوص مسلحين كانت تسلب المواطنين أموالهم ومقتنياتهم لدى تحركهم في شارع صلاح الدين قبالة دير البلح باتجاه مشارف مخيم النصيرات.

وصحيح أنها لم تكن المرة الأولى التي ينتشر فيها مسلحون لسرقة المساعدات، لكن في ظل إغلاق المعابر وعدم دخول أي مساعدات، أصبح انتشار أولئك خطراً مضاعفاً على حياة السكان.

ماذا فعلت «حماس»؟

لم تتحرك «حماس» بالقوة المعتادة عنها سابقاً لوقف اللصوص، أو حتى ضد العشيرة التي قتلت شرطياً تابعاً لها، حتى إعداد هذا التقرير؛ ما يعكس صورة لواقع قوة «حماس» أمنياً.

ورصد شهود انتشار مسلحين من عشيرة أبو سمرة في محيط منازل أفرادها خشية عمليات انتقامية، سواء من قِبل عناصر محسوبة على «حماس» أو حتى من عائلة الشرطي القتيل إبراهيم شلدان.

وبحسب مصادر صحافية من دير البلح تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإنه منذ وقوع الحادث ظهر الثلاثاء وحتى مساء الأربعاء، تتواصل محاولات المخاتير والوجهاء وجهودهم لمحاولة منع تطور الأحداث وتصاعدها.

ولم تخف «حماس» في بياناتها أنها ستتعامل بـ«قوة وحزم مع كل من تورط بالحادث ووفق القانون»، لكن مصادر قدرت أن الحركة «ستنتظر في الوقت الحالي عودة الهدوء الميداني في ظل القصف الإسرائيلي الذي يطال كل هدف يتبع للحركة، بما في ذلك عناصر الشرطة التابعون لها».

وقبل أشهر عدة فقط نفذت وحدة «سهم» التابعة لأمن «كتائب عز الدين القسام» (الذراع العسكرية لـ«حماس») وكذلك الشرطة مدعومة من جهات فصائلية، ضربات قاسية ضد لصوص المساعدات في رفح.

مقاتلو «حماس» يؤمّنون شاحنات مساعدات في رفح يناير الماضي (أ.ب)

وفي السنوات الماضية، خصوصاً بعد سيطرة «حماس» على قطاع غزة عام 2007، حاولت بعض العائلات المحسوبة بشكل كبير على حركة «فتح»، أو العشائر الكبيرة التي رفضت التعامل مع «حماس» أن تتمرد عليها.

ولجأت بعض العائلات إلى السلاح في مواجهة عناصر الحركة التي لم تتوان بدورها في مواجهة تلك العائلات، والقضاء على بعض أفرادها واعتقال آخرين.

وبقيت «حماس» مسيطرة على الأمن بقوتها العسكرية المعهودة حتى في خضم الحروب السابقة؛ غير أن هذه الجولة شهدت أكبر انتكاسة للحركة على مستوى قدرتها الحقيقية في الحفاظ على أمن المواطنين.

ما الملابسات؟

واقعة التصفية التي جرت في دير البلح، جاءت بعد أيام من عدم اعتراض «حماس» بالقوة لاحتجاجات نادرة ضد «حماس»، وكذلك وقعت حادثة قتل الشاب عُدي الربعي من قِبل مجهولين في تل الهوى ووقوع حوادث اختطاف لم يعرف من يقف خلفها، تشير بشكل واضح إلى الفوضى التي بدأت تنتشر.

وتؤكد مصادر مستقلة وشهود من دير البلح لـ«الشرق الأوسط»، أنه في ظل أزمة نقص الدقيق (الطحين)، تجمع مواطنون عند مخازن أحد التجار في المدينة، ومع وصول طواقم من مباحث الاقتصاد (التابعة لشرطة «حماس»)، وتم إخراج الكمية وبيعها للسكان بمقابل بسيط مقارنةً بالمبالغ التي يباع بها في السوق السوداء بسبب نفاده.

احتجاجات غاضبة ضد «حماس» ومطالبة بوقف الحرب في بيت لاهيا شمال قطاع غزة الشهر الماضي (أ.ب)

وتوضح المصادر، أنه «عندما شارفت الكمية المتوفرة على النفاد التام، خرج أفراد الشرطة وأبلغوا السكان بذلك، إلا أن بعضهم حاول اقتحام المخزن».

وتضيف المصادر أنه خلال فوضى محاولة الاقتحام للمخزن ومحاولة صدها «تم إطلاق رصاصتين من مسدس الشرطي إبراهيم شلدان، أصابت إحداها سقف المنزل الذي يقع أسفله المخزن وارتدت لتصيب طفلاً من عشيرة أبو سمرة، ونُقل على عجل إلى مستشفى شهداء الأقصى، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة».

وبيَّنت أن تلك الواقعة دفعت عناصر من عشيرة أبو سمرة إلى خطف الشرطي، وإحراق مركبة تعود للشرطة أمام المخزن، ثم لاحقاً قتلته علناً على قارعة الطريق.

هل هناك صلة لحركة «فتح»؟

تؤكد المصادر أن «اثنين من شركاء واقعة القتل للشرطي شلدان ممن ظهروا في الفيديو من المحسوبين على حركة (فتح)، ويعملون في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية».

ومع ذلك، تشدد المصادر على أن «الحادث بشكل أساسي لم يكن على خلفية تنظيمية وإنما كان نتيجة مقتل الطفل والظروف التي أحاطت بالمشهد حينه».

ويصعب تصنيف العشائر والعائلات الفلسطينية بالكامل على تنظيم فلسطيني واحد؛ إذ ينعكس الانقسام الفلسطيني بين «حماس» و«فتح» وكذلك فصائل أخرى على غالبية العائلات، ومن بينها وفق المصادر، عشيرة أبو سمرة.

وتستشهد المصادر بأن إسرائيل «قتلت خلال الحرب الحالية من عشيرة أبو سمرة ما لا يقل عن 20 فرداً بينهم نشطاء ينتمون إلى (حماس)».

«ما بعد الحادثة»

عشيرة أبو سمرة بدورها، أصدرت بياناً اتهمت فيه الشرطي شلدان بأنه قتل طفلها «عمداً وبشكل مباشر»، وأكدت في الوقت ذاته أنها «ستبقى محكومة للقوانين ولأحكام العشائر في هذه الأزمة».

وقالت العائلة في نص بيانها: «لم نكن يوماً دعاةً للفتنة أو الخروج عن القوانين والأعراف أو أداةً لضرب النسيج المجتمعي، بل إننا قدمنا خيرة شبابنا ورجالنا في الدفاع عن هذا الوطن وفي السعي للصلح بين الناس، وعليه ندعو أبناء شعبنا للوحدة والتماسك في وجه كل محاولات تمزيق نسيجنا الاجتماعي، وأن أي فتنة داخلية لا تخدم سوى أعدائنا»، وفق نص بيانها.

ومنتصف نهار الأربعاء، قصفت طائرة إسرائيلية مركزاً مؤقتاً لشرطة دير البلح؛ ما أدى إلى مقتل اثنين من عناصر الشرطة وطفل من المارة.

ووفق مصادر ميدانية، «كان المركز يعمل على استدعاء متهمين بقتل الشرطي شلدان».

والتزمت عائلة الشرطي شلدان، الصمت إزاء ما جرى، ولم تصدر أي بيان أو تقوم بأي ردة فعل للأخذ بالثأر أو غيره، حتى إعداد هذا التقرير.

ونددت «حماس» في بيان لها، بالحادثة التي وصفت أن من قام بها «مجموعة من المجرمين»، مشددةً على ضرورة محاسبة مرتكبيها «بقوة وحزم».

ورأت الحركة أن «مثل هذه الجريمة تخدم الأهداف الصهيونية في محاولة كسر الجبهة الداخلية الفلسطينية، وإشاعة الفلتان والفساد، وصولاً إلى هدف تهجير أبناء شعبنا».

وكذلك أصدرت مجموعة من الفصائل المتحالفة مع «حماس» بيانات منددة، وطالبت بملاحقة «كل من تسوّل له نفسه التعدي على الدماء والأرواح المعصومة أو المساس بالأمن والسلم الأهلي والمجتمعي».

aawsat.com